لمحه من الماضى لفهم الحاضر وتغيير المستقبل: عن ضابط وثورة

الزعيم…. هكذا لقبته الصحف المصرية اسوة بالزعيم سعد زغلول (قائد ثورة 1919), على عبد اللطيف (قائد ثورة 1924) ذلك الضابط الذي امن بقضية وطنه حتى النخاع, فتخلى عن المنصب والرتب والعيشه الهنيه تكريسا منه لمناهضه المستعمر الانجليزى والدفاع عن الهويه السودانيه,  التى كانت معرضه لخطر فكرة التعصب القبلى, تلك الفكرة التى كانت السلطات البريطانيه تسعى الى تاييدها وتابيدها, لتحقيق مطامعها الاستعمارية,  عن طريق تفكيك وحده الشعب السودانى (سياسه فرق تسد), فما كان منها الا ان ضمت القادة الدينين (على راسهم عبد الرحمن المهدى وعلى الميرغنى) وزعماء العشائر والقبائل تحت جناحهم.

فى وصف موقف القاده الدينين كتب صالح عبد القادر:

الا ياهند قولي اواجيذى           رجال الشرع اصبحوا كالمعيذى                                                                              

الاليت اللحى كانت حشيشا         فتعلفها خيول الانجليزى                                                                        

 وفى وصف موقف على عبد اللطيف ومؤيديه كتب مصطفى يوسف التنى:

نحن للقومية النبيلة          مابندور عصبية القبيلة                                                                                                 

تربى فينا ضغائن وبيله       تزيد  مصايب الوطن العزيز                               

فاجبر كل من كان يسئل عن جنسيته ان يجاوب باسم القبيله التى ينتمى اليها, ويا ويل من يقول انه “سودانى” فهى جنحه, وسيكون قليل عقابها الجلد المبرح, فطبقا لقوانين المستعمر يكون الانتما للقبيله فقط القبيله ولا شىء غيرالقبيله, وعلى اثره كانت مقولة على عبد اللطيف المشهوره عندما سئل عن قبيلتة, اثناء التحقيق معه  “لا يهمنى ان كنت منتمى لتلك القبيله او تلك, فكلنا سودانيون, نعمل يدا واحده من اجل تحرير بلادنا من سيطرتكم”.

ولد على عبد اللطيف فى حلفا عام 1896, من ام تنتمى الى قبيلة الدينكا  قوقريال, واب ينتمى الى النوبة الميرى, تخرج من المدرسه الحربيه المصريه عام 1914, ثم تزوج عام 1916 من قريبته العازه محمد عبد الله الدنقلاوى وانجب منها نعمات واحسان (ستنا).

عمل على عبد اللطيف فى عدة مناطق داخل وخارج العاصمه, بداية بامدرمان, ثم تلودى (جنوب كردفان), تلى ذلك الفاشر(بحر الغزال), ثم نقل الى مدنى حيث تمت ترقيته الى ملاذم اول, وفى تلك الفتره اعلن على عبد اللطيف بداية تمرده ابان رفضه لتادية التحيه العسكريه لضابط انجليزى اعلى رتبة منه, فاوقف عن العمل, واحيل الى الخرطوم للتحقيق.

فى فترة وجوده بالخرطوم قام بكتابة مقال بعنوان (مطالب الامة السودانيه) وتقديمه لحسين شريف, الذى كان يشغل منصب رئيس تحرير جريده حضارة السودان بغرض نشرها.

كان المقال يناقش عدة قضايا وهى: عدم احتكار السكر والمواد التموينيه و وضعها بيد التجار, زيادة التعليم, العداله بين المواطنين السودانيين وغيرهم من الانجليز والمصريين,و وضع مشروع الجزيره.

رفض حسين شريف نشرالمقال, متعللا ان الوقت ليس بالمناسب, وما كانت الا ايام حتى وقع المقال بين ايدى الانجليز, وعلى اثره تم اعتقال على وحكم عليه بالسجن لمدة سنه مع نزع الرتب والنياشين التى حاز عليها.

بعد خروجه من السجن قام بتاسيس جمعية اللواء الابيض يدا بيد مع عبيد حاج الامين (الذى قام بتاسيس جمعية الاتحاد عام 1919 والتى انشق منها لرفض بعض اعضائها تحويل العمل السياسى من سرى الى علنى), وفى 20 مايو 1924 تم الاعلان عن الجمعية التى تكونت من خمسة مؤسسين (على عبد اللطيف, عبيد حاج الامين, حسن شريف, حسن صالح المطبعجى, صالح عبد القادر) والتى انتشرت بصوره سريعه فى جميع انحاء السودان, واخترقت جميع شرائح الشعب باختلافها (العمال, الحرفيين, موظفى الحكومه, الضباط, زعماء القبائل…الخ).

قاد على ورفاقه اول مظاهره تشهدها امدرمان عام 1924 بطريقه مدروسه لتمكنهم من الصمود فى وجه القوات الانجليزيه, فكانت هذه المظاهره بداية سلسله من المظاهرات الوطنيه, ومع توالى الاعتقالات تم القبض على على عبد اللطيف وزملائه, وايداعهم في سجن كوبر.

 تلى ذلك خروج طلبه المدرسه الحربيه بالخرطوم, الذين طافوا فى شوارع المدينه بزيهم الرسمى, محملين بالاسلحه المزودة  بالذخيره, فما كان من الشعب الا استقبالهم بالتحيه والنساء بالزغاريد, اتجه الطلبه الى منزل على عبد اللطيف حيث قاموا بتادية التحيه العسكرية, فاستقبلتهم العازه هى الاخرى بالذغاريد, من ثم اتجهوا الي سجن كوبر مكررين التحيه العسكريه هذه المره للمعتقلين الابطال, ثم رجوعا الى داخلياتهم حيث تم اعتقالهم الى حين محاكمتهم التى انتهت بالحكم عليهم  بالسجن, فى فترات متفاوته كان اقصاها خمسة سنوات.

 من الابيات التى كان يرددها الطلبه اثناء تظاهرهم, قصيدة ام الضفاير للشاعر عبيد عبد النور(العازه هى المقصوده بام الضفاير):

يا ام ضفاير قودى الرسن           واهتفى فليحيا الوطن

يا الشباب الناهض صباح            ودع اهلك وامشى الكفاح

قوى ذندك  وموت بارتياح           فوق ضريحك تبكى الملاح….الخ

بعد ذلك تجمع عدد من الجنود والضباط بقيادة عبد الفضيل الماظ محاولين اجتياز كبرى النيل, حيث حدثت اشتباكات بينهم وبين الجنود الانجليز وتم تبادل اطلاق النار, وكانت النهايه باستشهاد عبدالفضيل الماظ (الذى كان يحتمى بالمستشفى العسكرى ويطلق وابل من الرصاص على الجيش الانجليزى فى الخفاء), والقبض على عدد من الضباط الذين حوكموا بالاعدام (حسن فضل المولى, ثابت عبد الرحيم, سليمان عمر, على البنا)  وتولت الحكومه امر دفنهم, مع حرمان اهاليهم من البكاء اوتلقى العزاء فيهم.

قدم على عبد اللطيف للمحاكمه مرتين, الاوله عام 1924 بتهمة التحريض علي المظاهرات, التى انتهت بالحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة سنوات, والثانيه عام 1925 (هو واعضاء الجمعيه), التى حوكم فيها بالسجن لمدة سبعة سنوات, وتم نفيه ورفاقه الى واو.

بعد انتهاء مدة حبسه رفض الانجليز اطلاق سراحه, وقاموا بنقله سرا الى مصر, بحجة انه مجنون, حيث انتهى به المطاف فى احدى مصحاتها العقليه حتي لقى حتفه عام 1948 ودفن فى ارضها, اما عبيد حاج الامين فقد توفى فى واو نتيجة اصابته بالحمى السوداء, وتم الافراج عن باقى القاده عقب معاهدة 1936 بين مصر وانجلترا.

وعند قيام ثورة مصر عام 1952, امر محمد نجيب بنقل جثمان على عبد اللطيف من المقابر العاديه الى مقابر الشهداء, واقيم حفل تابين, ودعيت العازه حيث منحت معاشا سنويا حتى وفاتها عام 1987.

لعبت العازه دورا بارزا فى نشاط الجمعيه السياسى, بداية من حفظ الوثائق السريه, الى دورها كحلقة وصل بين زوجها وعبيد حاج الامين خلال فترة سجنه الاولى, ناهيك عن مشاركتها فى مظاهرات 1924 (فكانت اول امراة سودانية تشارك فى مظاهره عامه), فاصبح اسمها يرمز للسودان, فكتب خليل فرح ”عازة فى هواك”:

 عازة فى هواك نحن الجبال        و للبخوض صفاك نحن النبال

عازة ما بنوم الليل محال           احسب النجوم فوق الرحال….الخ

Advertisements